أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
252
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل فعل اليهود ذلك ، اللهم إلا أن يريد هذا السبت الخاصّ المذكور في هذه الآية . والأصل فيه المصدر كما ذكرت ، ثم سمّي به هذا اليوم من الأسبوع لاتفاق وقوعه فيه كما تقدّم أنّ خلق الأشياء تمّ وقطع ، وقد يقال يوم السبت فيكون مصدرا ، وإذا ذكر معه اليوم أو مع ما أشبهه من أسماء الأزمنة ممّا يتضمّن عملا وحدثا جاز نصب اليوم ورفعه نحو : اليوم الجمعة ، اليوم العيد ، كما يقال : اليوم الاجتماع والعود ، فإن ذكر مع « الأحد » وأخواته وجب الرفع على المشهور ، وتحقيقها مذكور في كتب النحو . قوله : قِرَدَةً خاسِئِينَ يجوز فيه أربعة أوجه ، أحدها أن يكونا خبرين ، قال الزمخشري : « أي : كونوا جامعين بين القرديّة والخسوء » وهذا التقدير بناء منه على أنّ الخبر لا يتعدّد ، فلذلك قدّرهما بمعنى خبر واحد من باب : هذا حلو حامض ، وقد تقدّم القول فيه . الثاني : أن يكون « خاسئين » نعتا لقردة ، قاله أبو البقاء . وفيه نظر من حيث إن القردة غير عقلاء ، وهذا جمع العقلاء . فإن قيل : المخاطبون عقلاء . فالجواب أنّ ذلك لا يفيد ، لأنّ التقدير عندكم حينئذ : كونوا مثل قردة من صفتهم الخسوء ، ولا تعلّق للمخاطبين بذلك ، إلا أنه يمكن أن يقال إنهم مشبّهون بالعقلاء ، كقوله : لِي ساجِدِينَ « 1 » ، و أَتَيْنا طائِعِينَ « 2 » . الثالث : أن يكون حالا من اسم « كونوا » والعامل فيه « كونوا » ، وهذا عند من يجيز ل « كان » أن تعمل في الظروف والأحوال . وفيه خلاف سيأتي تحقيقه عند قوله تعالى : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً « 3 » إن شاء اللّه تعالى . الرابع - وهو الأجود - أن يكون حالا من الضمير المستكنّ في « قردة » لأنه في معنى المشتقّ ، أي : كونوا ممسوخين في هذه الحالة ، وجمع فعل على فعلة قليل لا ينقاس . ومادة القرد تدل على اللصوق والسكون ، تقول : « قرد بمكان كذا » أي : لصق به وسكن ، ومنه « الصوف القرد » أي المتداخل ، ومنه أيضا : « القراد » هذا الحيوان المعروف . ويقال : خسأته فخسأ ، فالمتعدي والقاصر سواء نحو : زاد وغاض ، وقيل : يقال خسأته فخسئ وانخسأ ؛ والمصدر الخسوء والخسء . وقال الكسائي : « خسأت الرجل خسئا ، وخسأ هو خسوءا ففرّق بين المصدرين ، والخسوء : الذّلّة والصّغار والطّرد والبعد ومنه خسأت الكلب . قوله تعالى : نَكالًا : مفعول ثان لجعل التي بمعنى صيّر والأول هو الضمير وفيه أقوال ، أحدها : يعود على المسخة . وقيل : على القرية لأنّ الكلام يقتضيها كقوله : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً « 4 » أي بالمكان . وقيل على العقوبة ، وقيل على الأمّة . والنّكال : المنع ، ومنه النّكل اسم للقيد من الحديد واللّجام لأنه يمنع به ، وسمّي العقاب نكالا لأنه يمنع به غير المعاقب أن يفعل فعله ، ويمنع المعاقب أن يعود إلى فعله الأول . والتنكيل : إصابة الغير بالنّكال ليردع غيره ، ونكل عن كذا ينكل نكولا امتنع ، وفي الحديث : « إن اللّه يحب الرجل النّكل » « 5 » أي : القوي على الفرس . والمنكل ما ينكّل به الإنسان قال : 532 - فارم على أقفائهم بمنكل « 6 » * . . . والضمير في يديها وخلفها كالضمير في « جعلناها » .
--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 4 ) . ( 2 ) سورة يونس ، آية ( 2 ) . ( 3 ) سورة فصلت ، آية ( 11 ) . ( 4 ) سورة العاديات ، آية ( 4 ) . ( 5 ) الحديث ذكره ابن الأثير في النهاية ( 5 / 116 ) . ( 6 ) البيت لرياح المؤملي وهو في اللسان « نكل » وهو من شواهد القرطبي ( 1 / 443 ) .